ابتزاز ورصاص واتساع نفوذ: كيف تحولت برلين إلى ساحة صراع بين عصابات تركية؟
3.03.2026, 13:00
من: آنه بولمان وأندرياس رابنشتاين
برلين/أنقرة 3 مارس/آذار (د ب أ) - تخترق الرصاصات نوافذ حانات وأبواب مطاعم في برلين. وتنفجر قنبلة يدوية في وقت متأخر من الليل داخل ناد ليلي خاوٍ في حي كرويتسبرج. ويطلق جناة النار على منزل يخص شخصية ثرية من أوساط الجالية التركية-الكردية. ويتعرض أشخاص مرارا للإصابة بطلقات نارية... منذ العام الماضي يدق المكتب الإقليمي للشرطة الجنائية في برلين ناقوس الخطر: العاصمة الألمانية أصبحت ساحة حرب عصابات نقلتها الجريمة المنظمة من تركيا إلى ألمانيا.
ويسود الخوف خاصة بين أصحاب المتاجر من ذوي الأصول التركية. وترد تقارير عن مكالمات تهديد يُقال فيها إن من لا يدفع "إتاوة" سيتعرض للعقاب. ونادرا ما يتوجه الضحايا إلى الشرطة.
وتسعى عصابات قادمة من تركيا أيضا إلى اقتحام تجارة المخدرات المربحة. وترصد الشرطة أسبوعيا تقريبا حوادث عنف في عالم مواز لصراعات النفوذ. ووصفت وزيرة العدل المحلية في ولاية برلين، فيلور بادنبرج، الأمر بأنه وضع تهديد جديد، وقالت في تصريحات لمحطة "آر بي بي" الإذاعية: "نشهد الآن عصابات متنافسة تستخدم العنف بشكل علني في شوارع برلين، سواء عبر إلقاء قنابل يدوية على محال أو بإطلاق النار على أشخاص ومركبات ومبان".
وأحصت شرطة العاصمة العام الماضي 543 حالة إطلاق نار، إضافة إلى 629 حالة تهديد بسلاح ناري. وفي عام 2024 كان العدد أقل بمئات الحالات، إذ سُجل إطلاق نار في 363 حالة و303 حالات تهديد بإطلاق النار.
وتدور هذه التهديدات والاشتباكات على وجه الخصوص بين عصابات تركية-كردية. وذكرت رئيسة شرطة برلين، باربرا زلوفيك مايزيل، مؤخرا أنه يتم استقدام جناة خصيصا لتنفيذ تلك الجرائم، وقالت: "يدخلون البلاد لفترة قصيرة بتأشيرة سياحية ثم يرتكبون هنا جرائم كُلِفوا بتنفيذها"، مضيفة أنهم سرعان ما يختفون بعد تنفيذ جرائمهم.
وما يكتسب موطئ قدم حاليا في ألمانيا - لا سيما في برلين - يمثل مشكلة قائمة منذ فترة طولية في تركيا، حيث أشار الصحفي والكاتب التركي عثمان جاكلي إلى انتشار عصابات شوارع من "الجيل الجديد" تعززت عبر الابتزاز وتهريب المخدرات والأسلحة، من بينها عصابة "دالتون" - التي تحمل اسمها أيضا عصابة تاريخية بالإضافة إلى أشقاء مجرمين في قصص "لاكي لوك" المصورة. وتُعرَف هذه العصابة بأساليبها الوحشية وتجنيدها شبانا عبر وسائط الإنترنت.
وتجتذب هذه العصابات، مثل مجموعات مماثلة في أمريكا الوسطى والجنوبية، أعدادا كبيرة من الشبان. وتُظهر ملفات محاكمات ضد "دالتون" أن معظم المجندين تتراوح أعمارهم بين 15 و20 عاما، كما تنضم إليهم أعداد متزايدة من الشابات. ووفقا لجاكلي، يوجد في إسطنبول وحدها - التي يبلغ تعداد سكانها نحو 15 مليون نسمة - نحو ألف عضو مسلح. وفي محاكمة جارية ضد عصابة "كاسبر" سيئة السمعة يواجه نحو 70 قاصرا اتهامات.
يقول جاكلي إن العصابات تثير لدى شباب الأحياء الفقيرة حالة من الإعجاب والتطلع، حيث تعرض عبر "تيك توك" حياة تغري بالأحلام: أموال وسيارات فارهة وأسلحة، مشيرا إلى أنه غالبا ما ينحدر الشبان المنضمون إلى تلك العصابات من أسر كردية أو علوية دفعتها عقود من التمييز إلى هامش المجتمع في تركيا.
وقد فاقمت معدلات التضخم المرتفعة في الأعوام الماضية الوضع. وقال جاكلي: "يتقاضى تجار المخدرات 250 ألفا إلى 300 ألف ليرة شهريا"، أي ما يعادل نحو 5 آلاف إلى نحو 6 آلاف يورو، وأضاف: "للمقارنة: عامل النسيج يعمل يوميا 13 إلى 14 ساعة في المصنع، وغالبا من دون تأمين ولا يحصل على حد أدنى للأجور"، مضيفا أنه في حال عدم سقوط أبناء هذه الأسر في قبضة العدالة، "فإنهم يحققون خلال أشهر قليلة دخل عامين أو ثلاثة أعوام".
وأشار جاكلي إلى أن القاصرين غالبا ما يواجهون أحكاما قصيرة بالسجن، وهو ما يعد في هذه الأوساط أقرب إلى وسام منه إلى عقوبة. وأوضح جاكلي أنه يكفي للانضمام إلى العصابات إرسال رسالة لهم، وقال: "من يكتب تعليقا تحت مقطع فيديو على تيك توك يمكن أن يعمل بعد شهرين قاتلا مأجورا".
وبحسب جاكلي، تتوفر الأسلحة بسهولة، إذ يمكن عبر "تيك توك" شراء سلاح واستلامه عبر ساعٍ مقابل نحو 60 يورو، كما تعرض بنادق كلاشنيكوف للبيع مقابل 300 يورو.
ويعد الاتجار بالمخدرات مصدرا رئيسيا لتمويل العصابات. وقد تعاظمت أهمية تركيا في تجارة المخدرات الدولية خلال الأعوام الماضية، حتى بات بعض الخبراء يطلقون عليها لقب "مكسيك أوروبا". وتستخدم كارتلات دولية الموانئ التركية لتهريب الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا لتفادي الرقابة المشددة في موانئ مثل روتردام أو أنتويرب. وتعد أحياء العصابات في إسطنبول - بحسب جاكلي - نقاط العبور الرئيسية للمخدرات المهربة. وتقف السلطات إلى حد بعيد عاجزة أمام هذه العصابات.
ويرى مراقبون أن انتشار عصابة "دالتون" في برلين يرتبط من جهة بزيادة الضغوط في تركيا، ومن جهة أخرى بالسعي إلى فتح أسواق جديدة. ويقول المتحدث باسم نقابة الشرطة في برلين، بنجامين يندرو، إن برلين مدينة كبيرة ذات سوق مخدرات مزدهر، في حين تعاني الشرطة والقضاء نقصا في الكوادر.
وأضاف يندرو: "نرصد منذ بضعة أشهر ازديادا في نشاط عصابة إزجين، بوصفها فرعا لدالتون، والتي اكتشفت العاصمة كموقع لممارسة نشاطها وسوق تصريف للمخدرات". وأوضح يندرو أن العصابات أصبحت أكثر عنفا من السابق، وقال: "الجميع يحمل أسلحة نارية، ولم تعد تقتصر على عيارات صغيرة. ويتم التصرف بقدر كبير من انعدام الضمير، فلا يطول التهديد، بل يتم التنفيذ فورا".
وتُظهر العصابة تواجدها علنا؛ ففي جنازة بارزة في برلين في يناير/كانون الثاني الماضي حضرها ممثلون من أوساط إجرامية، حُمل إكليل كبير وشريط عليه اسم "دالتون".
وأمام تصاعد العنف، أسس المكتب الإقليمي للشرطة الجنائية في برلين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وحدة خاصة كبيرة للتحقيق في تلك الجرائم. ومنذ ذلك الحين، تداهم الشرطة وتفتش كل ليلة تقريبا مقاهي شيشة ومطاعم سريعة في كرويتسبرج وشونبيرج وفيدينج وشارلوتنبورج ونويكولن. كما تُجرى عمليات تفتيش مرورية في نقاط تجمع معروفة. وتم التحقق من هويات نحو 5 آلاف شخص، و3 آلاف سيارة، وأكثر من 800 محل.
وأسفرت العمليات عن مصادرة 18 سلاحا ناريا و192 طلقة، و10 مسدسات صوت، و50 سلاحا آخر مثل سكاكين ومضارب بيسبول وأجهزة صعق كهربائي. وفتحت الشرطة 260 تحقيقا، وحددت 50 مشتبها بهم، وأصدرت 12 مذكرة توقيف. وأكدت الشرطة أن العمليات أظهرت أثرا، وأن الوجود الدائم يمثل إشارة للجريمة المنظمة التي باتت تفضل ترك مسدساتها في المنازل، مشددة على ضرورة مواصلة الضغط.